القرطبي
388
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تسمعون ) ابتداء وخبر في موضع الحال . والمعنى : وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين في القرآن . قوله تعالى : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ( 21 ) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ( 22 ) قوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ) أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين . وهو من سماع الأذن . ( وهم لا يسمعون ) أي لا يتدبرون ما سمعوا ، ولا يفكرون فيه ، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق . نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم . فدلت الآية على أن قول المؤمن : سمعت وأطعت ، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله . فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها ، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة ! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي يظهر الإيمان ، ويسر الكفر ، وذلك هو المراد بقوله : " ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " . يعني بذلك المنافقين ، أو اليهود أو المشركين ، على مما تقدم . ثم أخبر تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض . وفي البخاري عن ابن عباس " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " قال : هم نفر من بني عبد الدار . والأصل أشر ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . وكذا خير ، الأصل أخير . قوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ( 23 ) قوله تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) قيل : الحجج والبراهين ، إسماع تفهم . ولكن سبق علمه بشقاوتهم ( ولو أسمعهم ) أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم . وقيل : المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم ، لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . الزجاج : لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه . ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون .